ابن كثير
14
البداية والنهاية
يحث على التقوى ويكره قربه * وتنفر منه النفس وهو نذير ولم يستزر عن رغبة في زيارة * ولكن على رغم المزور يزور ثم دخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة فيها كانت وقعة الزلاقة ببلاد الأندلس شمالي قرطبة ، بمرج الحديد ، كانت وقعة عظيمة نصر الله فيها الاسلام وخذل فيها عبدة الصلبان ، وذلك أن القيش ( 1 ) ملك الفرنج ببلاد الأندلس ، ومقر ملكه بمدينة طليطلة ، كتب إلى الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ملك الغرب يستنخيه ويستدعيه ويستحثه إليه ، ليكون من بعض من يخضع له في مثالبه وفي قتاله ، في كلام طويل فيه تأنيب وتهديد ووعيد شديد ، فكتب السلطان يعقوب بن يوسف في رأس كتابه فوق خطه : ( ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون ) [ النمل : 37 ] ثم نهض من فوره في جنوده وعساكره ، حتى قطع الزقاق إلى الأندلس ، فالتقوا في المحل المذكور ، فكانت الدائرة أولا على المسلمين ، فقتل منهم عشرون ألفا ، ثم كانت أخيرا على الكافرين فهزمهم الله وكسرهم وخذلهم أقبح كسرة ، وشر هزيمة وأشنعها ، فقتل منهم مائة ألف وثلاثة ( 2 ) وأربعون ألفا ، وأسر منهم ثلاثة عشر ألفا ، وغنم المسلمون منهم شيئا كثيرا ، من ذلك مائة ألف خيمة وثلاث ( 3 ) وأربعون خيمة ، ومن الخيل ستة وأربعون ألف فرس ، ومن البغال مائة ألف بغل ، ومن الحمر مثلها ، ومن السلاح التام سبعون ألفا ، ومن العدد شئ كثير ، وملك عليهم من حصونهم شيئا كثيرا ، وحاصر مدينتهم طليطلة مدة ، ثم لم يفتحها فانفصل عنها راجعا إلى بلاده . ولما حصل للقيش ( 1 ) ما حصل حلق لحيته ورأسه ونكس صليبه وركب حمارا وحلف لا يركب فرسا ولا يتلذذ بطعام ولا ينام مع امرأة حتى تنصره النصرانية ، ثم طاف على ملوك الفرنج فجمع من الجنود ما لا يعلمه إلا الله عز وجل ، فاستعد له السلطان يعقوب فالتقيا فاقتتلا قتالا عظيما لم يسمع بمثله ، فانهزم الفرنج أقبح من هزيمتهم الأولى ، وغنموا منهم نظير ما تقدم أو أكثر ، واستحوذ السلطان على كثير من معاملهم وقلاعهم ، ولله الحمد والمنة ، حتى قيل إنه بيع الأسير بدرهم ، والحصان بخمسة دراهم ، والخيمة بدرهم ، والسيف بدون ذلك ثم قسم السلطان هذه الغنائم على الوجه الشرعي ، فاستغنى المجاهدون إلى الأبد ، ثم طلبت الفرنج من السلطان الأمان فهادنهم على وضع الحرب خمس سنين ، وإنما حمله على ذلك أن رجلا يقال له علي بن إسحاق التوزي الذي يقال له المكلثم ، ظهر ببلاد إفريقية فأحدث أمورا فظيعة في غيبة السلطان وأشرف به بقتال الفرنج مدة ثلاث سنين ، فأحدث هذا المارق التوزي بالبادية حوادث ، وعاث في الأرض
--> ( 1 ) في الكامل 12 / 113 ألفنش . ( 2 ) في الكامل : وستة . ( 3 ) في الأصل وثلاثة وهو خطأ .